أحمد مصطفى المراغي
62
تفسير المراغي
والأحكام المفصلة في الألواح التي هي منتهى الكمال والحسن كالإخلاص للّه في العبادة . إذ يتحلى العقل وتتزكى النفس ، مع ترك اتخاذ الصور والتماثيل لأنها ذرائع للشرك وسبب للوصول إليه . ( سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) أي إن لم تأخذوا ما آتيناكم بقوة وتتبعوا أحسنه كنتم فاسقين عن أمر ربكم فيحل بكم ما حل بالفاسقين من قوم فرعون الذين أنجاكم اللّه منهم ، ونصركم عليهم وسيريكم ما حل بهم بعدكم من الغرق . قال ابن كثير : أي سترون عاقبة من خالف أمرى وخرج عن طاعتي كيف يصبر إلى الهلاك والدمار . قال ابن جرير : وإنما قال ( سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) كما يقول القائل لمن يخالفه : سأريك غدا ما يصير إليه حال من خالف أمرى - على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه خالف أمره . وفي الآية عبرة لمن يقرؤها ويتدبر أمرها من وجوه : ( 1 ) إن الشريعة يجب أن تتلقى بعزيمة وجدّ لتنفيذ ما بها من الإصلاح وتكوين لأمة تكوينا جديدا ، ومظهر ذلك الرسول المبلغ لها والداعي إليها والمنفذ لها بقوله وعمله فهو الأسوة والقدوة ، وهذه سنة اللّه في كل انقلاب ، وتجديد اجتماعي وسياسي وإن لم يكن بهدى اللّه ، فما بالك بالدين وهو أحوج ما يكون إلى إصلاح الظاهر والباطن ، وقد أخذ سلفنا الصالح القرآن بقوة بالعمل بهداية دينهم لا بالتبرك بالمصاحف والتغني بالقرآن في المحافل ، فسادوا جميع الأمم التي كانت لها القوة الحربية والصناعية والمالية والعددية ، وسعدوا به في دنياهم وسيكونون كذلك في آخرتهم ، وخلف من بعدهم خلف أعرضوا عنه وتركوا هدايته فشقوا في دنياهم وآخرتهم كما قال « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ . الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » .